ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

76

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

محذوفتان ، والمعنى الذي دلّا عليه باق ، فصار المعنى حينئذ مفهوما مع حذفهما فهو إذا زائد لا محالة ، وكذلك جميع المحذوفات على اختلافها وتشعّب مقاصدها ، وهذا لا نزاع فيه ؛ لبيانه ووضوحه . وقد سنح لي في زيادة المعنى على اللفظ في غير المحذوفات دليل أنا ذاكره ، وهو أنا نجد من الكلام ما يدل على معنيين وثلاثة ، واللفظ واحد ، والمعاني التي تحته متعددة . فأما الذي يدل على معنيين فالكنايات جميعها ، كالذي ورد في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعن أصحابه رضي اللّه عنهم أنهم كانوا إذا خرجوا من عنده لا يتفرقون إلا عن ذواق ، وهذا يدلّ على معنيين : أحدهما : إطعام الطعام : أي أنهم لا يخرجون من عنده حتى يطعموا ، الآخر : أنهم لا يتفرقون إلا عن استفادة علم وأدب يقوم لأنفسهم مقام الطعام لأجسامهم . وأما الذي يدل على ثلاثة معان فكقول أبي الطيب المتنبي « 1 » : وأظلم أهل الظّلم من بات حاسدا * لمن بات في نعمائه يتقلّب فهذا يدلّ على ثلاثة معان : الأول : أنه يحسد من أنعم عليه ، الثاني : ضد الأول ، الثالث : أنه يحسد كل ربّ نعمة كائنا من كان : أي يحسد من بات في نعماء نفسه يتقلب . وهذا وأمثاله من أدلّ الدليل على زيادة المعنى على اللفظ ، وهو شيء استخرجته ، ولم يكن لأحد فيه قول سابق . وحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار إليها أولا وما ينصرف إليه ؛ فنقول : أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر ، شبيه

--> ( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها كافورا ، وأولها قوله : أغالب فيك الشّوق ، والشّوق أغلب * وأعجب من ذا الهجر ، والهجر أعجب وقد مضى أول الكتاب ذكر هذا البيت ، وذكر المؤلف مثل ما ذكر هنا .